عمر فروخ

361

تاريخ الأدب العربي

جمعت عليك به الفرنج جموعها ، * وتفرّقت لمّا التقى الجمعان « 1 » . ظنّوك ما لاقوا ، فأبطل ظنّهم * طعن أحقّ مظنّة السرحان « 2 » بذوابل أبدت أسنّتهنّ ما * أخفت قلوبهم من الأضغان « 3 » . ومدرّبين على القتال كأنّما * شربوه ولدانا مع الألبان ، من كلّ مشبوح الذراع يهزّه * قرع العوالي هزّة النشوان « 4 » . نظروا إلى البيض الخفاف كأنّها * بأكفّهم مشبوبة النيران « 5 » ؛ والخيل قد عادت ورادا شبهها * ممّا لبسن من النجيع القاني « 6 » ، يسبحن طورا في الدماء ، وتارة * يركضن فوق جماجم الشجعان . في مأزق ضنك المجال كأنّه * مغنى المبخّل أو فؤاد العاني « 7 » ، ستر السماء عجاجه ؛ فسماؤه * نقع ، وأنجمه من الخرصان « 8 » ؛ فالصبح ممّا سلّ فيه واحد ، * والليل ممّا ثار فيه اثنان « 9 » .

--> ( 1 ) التقى الجمعان : وقف الجيشان في ميدان المعركة وجها لوجه . ( 2 ) ظنوك ما لاقوا : اعتقدوا انك في الحرب متساهل بحقك مثلك في السلم . - اعتقدوا أنك مثل غيرك من الذين قاتلوهم وانتصروا عليهم . ولكن طعنه ( قتاله أعداءه ) حقق أمل السرحان ( الذئب ) إذ كثر القتلى من الأعداء حتى شبعت ذئاب الفلاة . ( 3 ) الذوابل : الرماح . السنان : الحديدة في رأس الرمح . الضغن ( بكسر الضاد ) : الحقد . - رماح الممدوح أخرجت أحقاد الأعداء من قلوبهم ( قتلتهم ) . ( 4 ) مشبوح : طويل . إذا كان المحارب أطول ذراعا من خصمه استطاع أن يصل اليه بالرمح بسهولة . يهزه : يطربه ، يسره . قرع العوالي ( الرماح ) : قرع بعض الرماح على بعض في المعركة ( كناية عن اشتداد القتال ) . النشوان : السكران . ( 5 ) البيض الخفاف : السيوف . كأنها النار المشبوبة أو مشبوبة النيران : حمراء من الدم الذي عليها . ( 6 ) والخيل قد عادت ( رجعت من المعركة ) ورادا ( حمرا ) شبهها ( شبه نفسها ، لأن الخيل الحمراء اللون محمودة ) النجيع : الدم . القاني : الشديد الحمرة ( قان ، خان من الفارسية : الدم ) . - جميع الخيل ( الحمر والبيض والسود ) رجعت من المعركة حمرا لكثرة ما سال عليها من دم الأعداء . ( 7 ) المأزق : المكان الضيق . ضنك المجال : لا يستطيع الفارس أن يجول فيه . كأنه مغنى ( بيت ) المبخل ( البخيل ) ، كناية عن الضيق المادي في المساحة ، أو فؤاد العاني ( الأسير ) كناية عن الضيق النفسي . ( 8 ) العجاج : الغبار . النقع : غبار الحرب . الخرصان جمع خرص ( بضم الخاء ) : الحلقة أو حلقة القرط ( الذي تزين به الأذن ) . ( 9 ) فالصبح مما سل فيه ( من السيوف البيض ) واحد : كأن السيوف المسلولة لكثرتها وتقارب بعضها من بعض وشدة بياض لونها ( كناية عن جودتها ومضائها ) شيء واحد . والليل مما ثار فيه ( من الغبار ) اثنان ( ظلام وغبار أسود ) .